الطفل الصومالي….. الواقع والآفاق
الجزء الثاني
الحياة الصحية المتدهورة
إذا كنا فيما مضى قد قرأنا قراءة سريعة لواقع أطفالنا في الحياة التعليمية ، فإن حياتهم الصحية ليست بأفضل من سابقتها ، بل إن التقارير التي تصدر من الهيئات الإغاثية والمنظمات الصحية مخيفة جدا ، حيث ذكرت واحدة من تلك المنظمات أن " أكثر من واحد من بين كل عشرة أطفال صوماليين يموتون فور ولادتهم بسبب الأمراض المترتبة على سوء التغذية ، وأن ربع الناجين منهم يموتون قبل أن يصلوا إلى العيد الخامس من ميلادهم للأسباب نفسها " ، وهذا التقرير وإن بدى في أعيننا مبالغا فيه إلا أن الناظر في الحارات الشعبية في المدن الكبرى ، فضلا عن القرى النائية البعيدة عن المراكز الصحية يجد ما يقارب ذلك .
وفي تقرير آخر " أن مرض الكوليرا يأتي موسميا إلى الصومال ، ويودي بجياة كثير من الأطفال ، وحياة أمهاتهم اللواتي يتعرضن لسوء التغذية والأنيميا ، إلى جانب حزنهم الشديد على ما يتعرض لهم فلذات أكبادهن.
ومنذ اندلاع الحروب الأهلية والظلم الشديد الذي حصل هنالك ، والتحكم إلى شريعة الغابة ، حيث يأكل القوي الضعيف ، وما أرهق من دماء بريئة من دون مبرر ، والجفاف يضرب البلاد بين الفينة والأخرى ، بل تمر سنين لا يقطر فيها قطرة ماء ، فينعكس هذا بالطبع على الحياة عامة وعلى الحياة الصحية خاصة ، حيث الأنيميا وسوء التغذية ، وضعف المناعة إلى غير ذلك من الأمراض.
وكلنا يذكر في هذا الصدد اللقطات التلفزيونية المحزنة التي لا ننسى ، بل ولا تزال عالقة في الأذهان ، وقد كانت أشدها إيلاما صورة تلك الأم التي كانت تدفن طفلها الذي مات عطشا ، وقصة تلك الأم الصومالية التي فقدت حياتها حين ذهبت في الحر تبحث عن ماء تسد به عطش أطفالها وبكائهم ، فإذا بالموت يترصد لها ، وتموت هي الأخرى متأثرة بالعطش الشديد ، ويموت الصغار المساكين في مسكنهم ، بعد أن انقطع الأمل بعودة الأم حاملة معها بعض قطرات من الماء.
ولكن – ولأسف- لم يحظ هؤلاء وهم يموتون هنا وهناك ضميرا إنسانيا مشفقا ، ولا عقولا وطنية تخطط لانقاذهم ، بل إن كثيرا من قاداتنا السياسية – هداهم الله – يبيعون مستقبل هؤلاء بعرض من الدنيا ، ويتآمرون على تعليمهم وعلى لقمتهم ، وعلى الهيئات الخيرية التي تأتي لنجدتهم وإنقاذهم ، فكم من طفل يحرم من عناية الهيئات الخيرية بسبب المطاردات الحربية بين ذوي المصالح الخاصة الذين ضاعت عندهم الإنسانية ، وماتت في عروقهم الوطنية والقيم الإسلامية .
فهل لنا من عقول مفكرة تشفق على هولاء وتخطط لانقاذهم مساهمة في إحيائهم " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا" ومساهمة في إعادة صياغة الأمة ومستقبل أيامها!!
الطفل الصومالي في الغربة
منذ ثمانينيات القرن الماضي والشعب الصومالي يتدفق على الغربة بحجة البحث عن حياة أفضل ، ولكنه بحث عن ضياع الهوية ، والتنكر للتقاليد النقية والمقدسات الطاهرة .
واشتد هذا التدفق منذ سقوط الحكومة المركزية مطلع التسغينات ، فمنذ ذلك الحين والكل يخطط للخروج عن الوطن بطريقة أو بأخرى ، والوصول إلى أرض الأحلام " دريم لاند " كما يقولون ، وبين الفينة والأخرى نسمع أخبار الغرقى من شبابنا في البحار والمحيطات ..
الأمر ليس سرا ولا خفيا عن أنظار الملاحظين ، بل إن العالم كله يشهد أننا ضربنا أرقاما قياسية في الهجرة والاغتراب .
فما واقع الأطفال الصوماليين في الغربة ؟!
وصلت الأسر الصومالية كما ذكرنا كل بقاع العالم ، ولهذا فإن الحديث عن الطفل الصومالي في الغربة يتطلب من الباحث أن يتناول الموضوع بشيء من التفصيل ، ويحدد مواطن الاغتراب وتداعيات كل منها على الأسر الصومالية وأطفالها .
وبالجملة يمكننا أن نقسم الغربة التي نحن في صدد الحديث عنها إلى قسمين أ/ الغربة في الدول الإسلامية ب/ الغربة في الدول الغير الإسلامية ، وبالطبع نخصص الحديث للدول الغربية .
أولا : الاغتراب في الدول الإسلامية
الطفل الصومالي المغترب في الدول الإسلامية يمارس مع أقرانه من أهل البلدة قيم الإسلام ومبادئه ، إلى جانب بعض التقاليد الخاصة لأهل تلك البلاد التي لا تذهب بعيدا عن التصور العام للمبادئ الإسلامية ، وإن كانت تمثل أسلوبا خاصا في الحياة قد يتباين مع أسلوب أهل بلاده في الأمور الفرعية من الحياة.
ويترتب عليه أيضا أن ينسي الأمور الأساسية من هويته كاللغة والمعلومات الأساسية من تاريخ وجغرافية بلاده ، وكثير من هؤلاء يعيش في غربة نفسية بين أبناء عمومته ، ولا يستطيع أن يتفاهم معهم ولا أن يستوعب طبائعهم إذا التقى بهم في أي موقف ، وأغلب هؤلاء المغتربين في الدول الإسلامية يسمح لهم الالتحاق بالتعليم الأساسي ، وتبذل الأسر أقصى جهودها لإرساله إلى بعض الدول لمواصلة التعليم الجامعي بمنحة دراسية أو بنفقة خاصة .
وخلال احتكاكي ببعض هؤلاء وجدت أنهم متعطشون للبلاد ويبحثون عمّن يساعدهم في التعرف على الوطن الحبيب الذي أخرجتهم منه الظروف الصعبة ، وقد وجدنا الكثير منهم منشغلا بمحركات البحث في الشبكة العنكبوتية باحثا عن الوطن وأخباره وأخبار أهله.
وينتظر من هؤلاء أن يتخرج منهم عقول قيادية مخلصة جربت الحياة في الغربة واستفادت الكثير وعرفت ما يلزمها إذا كتب لها الرجوع إلى ربوع الوطن الغالي .
ثانيا : الاغتراب في الدول الغير الإسلامية
لم يكن تسهيل معاملات الهجرة إلى الغرب للأسر الصومالية ناتجا من فراغ ، ولا من عاطفة إنسانية تجاه تلك الأسر – كما يزعمون- أو شفقة عليهم مما يدور في بلادهم من الحروب الطاحنة ، وكلنا يدرك ذلك .
ونتائج تلك الهجرات كما تقوله الحقائق مرة ومحزنة ، والأطفال ليسوا مذنبين ولا هم يسألون !!
ولكن هناك أسر بذلت جهودا جبارة في سبيل تربية أبنائها وفق التصور الإسلامي ، وربطهم بالمقدسات والمبادئ الإسلامية ، ولكن تأثير الشارع أقوى وأظهر ، فكثير من أولياء الأمور يتجرعون المرارة ويندمون على ذلك اليوم الذي خرجوا فيه من البلاد وليته لم يكن !!!
ولأكون أقرب إلى الواقع دعني أسوق لكم قصة حكاها لي عضو لجنة الجالية الصومالية في "منسوتا " حيث أكد لي أن زار مع أعضاء اللجنة 3500 شاب صومالي سجين في سجون منسوتا وحدها بجرائم السرقة والنهب والإغتصاب وبيع المخدرات …., وكل هولاء أعمارهم تتراوح بين 16-28 سنة على حد قوله .
وآخرون أكدوا لنا أن الأطفال هنالك يتهربون عن التعليم حيث أصدقاء السوء , والحياة المرفهة ، والفساد الأخلاقي ، وتعاطي المحدرات .
وأغلب هؤلاء لا يعرفون إلى أي شعب ينتمون ، وماذا يتطلب منهم ذلك الانتماء من الوفاء والالتزام ، وربما ظن بعضهم أنه من (تورنتو الكندية ، أو منسوتا الأمريكية ، أو فينا النمساوية ..) خصوصا وأن الجنسية تصرف لهم بعد خمس سنين من دخولهم هناك ، وما ذلك إلا لضعف التوعية بالانتماء ، فكثير من الآباء الصوماليين والأمهات الصوماليات – هداهم الله- يربون أطفالهم على حب بلاد الغبر ، وأنهم سيدخلون أبواب النعيم إن هم خرجوا من تلك البلاد وذهبوا إلى "دريم لاند"، فتظهر البلاد أمام الطفل وكأنها جحيم لا يسعد المرء إلا أن يخرج منها ، وتظهر الجنسية أمامه وكأنها سيء معيب ينبغي التنكر له ، وربما وجدته يتحرج من أن يصرح بأنه " صومالي"
فماذا أعد المثقفون المخلصون لانقاذ تلك الشريحة الكبيرة التي تحلق فوق الضياع…
ولابد أن أشيد في هذه المذكرة بمافعله بعض المفكرين الصومالين في (السويد) حيث كتبوا كتابات رائعة تستهدف الطفل الصومالي وتربيته ، أرجو أن يكتب لأعمالهم الانتشار، وأن يكونوا لنا قدوة حسنة .
وكذلك بعض الأعمال الفردية التي قام بها بعض المخلصين من المفكرين والدعاة في بريطانيا ونرويج وفيلندا وكندا واستراليا ..) ولا ينسى التاريخ مثل تلك الأعمال البيضاء ، والجهود المضيئة في سماء حالكة الظلام.
وإن من دواعي السرور أيضا أن كثيرا من الأسر الصومالية قد بدأت منذ السنوات الماضية تقرر الفرار بأطفالها ، وتدارك ما بقي من أخلاقهم وعقولهم وفكرهم ، نأمل أن يقتدي بهم الآخرون .
اقرأ في الجزء الثالث " نظرة نحو الآفاق "
عمر محمد ورسمه
كاتب صحفي وصاحب عمود في الشبكة الصومالية للمعلومات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات :
الأطفال ومشاكلهم |
السمات:
الأطفال ومشاكلهم
دوّن الإدراج
نوفمبر 1st, 2007 at 1 نوفمبر 2007 10:34 م
خطوبة الاخ الفاضل ( عبد الحق هقى ) من الجزائر مقرر اتحاد المدونين العرب سابقا
والاخت العزيزة ( عهود ابو الهيجاء ) من الاردن ونائب رئيس اتحاد المدونين العرب حاليا
تحب تقول مبروك
لك كل الشكر
نوفمبر 3rd, 2007 at 3 نوفمبر 2007 2:37 م
سلام أخ اسماعيل سعدت بزيارتك العزيزة وتعليقك اللطيف ثم بزيارة مدونتك الشخصية والفكرية في آن معا والتي تغطي جزءا عزيزا من عالمنا العربي الإسلامي المكروب بالأزمات الشكر مرة أخرى وأهلا بك أخا و زميلا على صفحات التدوين
نوفمبر 4th, 2007 at 4 نوفمبر 2007 12:55 م
أخي أمجد
سلام من الله عليك
حقا إنها زيارة مشرفة ومليئة بالشكر والتقدير ……حبيبي أمجد سعيد بزيارتك وتصفحك الشعوري أهلا ومرحبا بك باهلك وأصحابك في بلدك الثاني ,,,,,
تقبل خالص شكري وتقديرى
نوفمبر 4th, 2007 at 4 نوفمبر 2007 1:14 م
أخي حسن
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مبرك ألف ألف مبروك لأخونا عبد الحق وأختنا عهود بمناسة خطبتهما ، أتمنى لكما الخير والسعادة الزوجية الأبدية وأن يجمع الله بينكما بالخير والبركات وأن يرزقمكا ذرية صالحة تنفعكما في الدنيا والأخرة ، أتمني ان نسمع قريبا خبر حفلة الزواج ،
وشكرا لك يا أخي حسن على اطلاعك بنا بهذا الخبر المفرح….واتمنى لكافة المدونين الخير والسعادة والتوفيق بالصواب …….
الف ألف مبروووووك وبالرفاه والبنين
نوفمبر 4th, 2007 at 4 نوفمبر 2007 7:08 م
اخى
اسماعيل
كل الشكر لك على الاستجابة لدعوتى
وكم هو واقع مرير يعيشه اخوتنا فى الصومال
ونحن عاجزون عن تقديم اى دعم او عون لاننا فقدنا الكثير من قيمنا واخلاقنا التى تربينا عليها
وفى موضوعى الجديد ما يعتبر استمرار لما تطرح فى هذا الموضوع
نوفمبر 4th, 2007 at 4 نوفمبر 2007 7:09 م
اخى
اسماعيل طه
كل الشكر لك تواصلك
ولكم الله فقد فقدنا القرار لكى نمد يد العون لاشقاؤنا فى الصومال
وربما فى موضوعى الجديد على مدونتى ما يكمل ما اقول
الى لقاء قريب لك كل الشكر
نوفمبر 5th, 2007 at 5 نوفمبر 2007 10:50 ص
لعنة النشاة تطارد الاسلاميين المغاربة
تهمة العمالة ترسمت داخل الحركة الاسلامية
-1-
لكن تداول تهمة العمالة على نطاق واسع تم في حظن تيارات وفصائل الشبيبة الاسلامية اواسط السبعينات بشكل اثار الانتباه. اذ ان تهمة العمالة للاجهزة الامنية لم تنخصر في اجمحة الشبيبة الاسلامية . بل طالت شراراتها الشيخ عبد السلام ياسين . ومست شظاياها صانعي الموت والارهاب من “السلفية الجهادية”
abu-siham.maktoobblog.com
نوفمبر 5th, 2007 at 5 نوفمبر 2007 4:11 م
أخي حسن
لك الشكر والتقدير …وشرفتني بزياراتك الدائمة
لك مودتي واحترامي
نوفمبر 5th, 2007 at 5 نوفمبر 2007 4:14 م
أبو سهام
مشكر لزيارتك وقرييا سترى بصمات قلمي في مدونتك ان شاء الله ….
شكري وتقديري
نوفمبر 6th, 2007 at 6 نوفمبر 2007 7:01 م
العزيز اسماعيل
أطرفتني بسؤالك فقد كنت أنوي أن أسألك إن كان ثمة علاقة بين اسمك واسم مذيع البي بي سي سابقا السوداني اسماعيل طه على كل حال بالنسبة لي فقد عملت في البي بي سي بين عامي تسعة وتسعين والفين وخمسة واعمل حاليا منتج أخبار في قناة الجزيرة تحياتي!
نوفمبر 7th, 2007 at 7 نوفمبر 2007 10:41 ص
اخي الحبيب أمجد
يسعدني جدا بتوفيرك لي بهذه المعلومات وإعادة ذاكرتي الي الوراء .. الي أيام وذكريات حلوة تسر الذهن …..أشكرك جدا وما خاب ظني ورجائي فيك ….فعلا كنت من متابعي البي بي سي قسم العربية بشدة …صباحا ومساءا …الجولات الاخبارية والاقتصادية والرياضية …وبرامج التعليم …برنامج بين السائل والمجيب…برامج التغطيات الخاصة ..البرامج الحية التي اتسمت بها البي بي سي والتي تقدم على الهواء مباشرة متفاعلة مع المستعين وتقدم أراءهم مباشرة كما هو الحال في الجزيرة ..برنامج منبر الجزيرة منبر من لامنبر له…..في أواخر التسعينات كنت أتدرب على إذاعة خاصة لأحد المعاهد الأهلية في مقديشو ….ومنذ ذالك الوقت كنت من المعجبين بك وبكثير من مذيعي الاذاعة المشهورين كجورج المصري الذي أظنه أصبح متقاعدا أو ترك العمل الإذاعي وصديقه إسماعيل طه السوداني وعمرو الكحك ، هبا صالح ، محمود المسلمي ، زين العابدين ، وغيرهم وغيرهم الذين تركهم القلم خشية الإطالة ….
كنت قد سجلت كثيرا من التقارير والجولات الاخبارية التي كثيرا ما قدمتها أنت……فمنذ فترة ما سمعتك فيها ربما تركتها أو شغلني شاغل من سماعي بك ….كل الاحتمالات معقولة …ولكن الفترة التي تابعت تغطياتك وقراءتك للبرامج الاخبارية ليست قصيرة ربما تمتد الي 2004م .
أما سؤالك الذي سبقته …فليس هناك ما يجمعني مع إسماعيل طه السوداني ….أنا صومالي ، ولاتجمعني معه الا إعجابي بشخصيته الإذاعية القوية ومهارانه الإبداعية في ذاك المجال ….و بما أنني موجود في السودان ينتاب بعض الناس نفس هذا الشعور…..وياحبذا لو جمعتني معه فرصة ولقاءا لنقضي وقتا لإعادة الذاكرة الي الوراء ….إلي أيام أصبحت جزءا مهما من ذاكرتي تترد بها في مثل هذه المناسبات …..
لك مني تحية من كل الجوارح
نوفمبر 10th, 2007 at 10 نوفمبر 2007 7:41 م
موضع رائع جدا
تحياتى لكى
نوفمبر 11th, 2007 at 11 نوفمبر 2007 9:36 ص
أختي سلوي
سلام الله عليك
شكرا على المرور ….و أنا في طريقي اليك باذنه عز وجل .
سلامات من كل آفات…